انطلقت أمس بمدينة وجدة، “مدينة التاريخ والحوار والانفتاح”، أعمال الندوة الدولية الكبرى المخصصة لموضوع: “المغرب: اثنا عشر قرنًا من الجذور التاريخية والاعتراف القانوني”، والتي تستضيفها جامعة محمد الأول بوجدة بقاعة المؤتمرات بكلية الطب والصيدلة على مدار ثلاثة أيام (04 و05 و06 يونيو 2026)، بمشاركة نخبة من كبار الأكاديميين، والباحثين، والخبراء الدوليين والمؤسساتيين من مختلف الخلفيات الثقافية.
افتُتحت الندوة بكلمة رسمية لرئيس جامعة محمد الأول، الدكتور ياسين زغلول، رحب فيها بالحضور مؤكداً أن الاستجابة الواسعة للمشاركة في هذا الحدث دليل قاطع على الأهمية البالغة التي يحظى بها البحث العلمي عندما يستند إلى الدقة التاريخية، ومتطلبات القانون، واحترام الحقائق.
وأوضح رئيس الجامعة في كلمته أن هذه الندوة تشكل فرصة استثنائية لإعادة النظر في أكثر من اثني عشر قرناً من التاريخ المغربي الغني والمعقد؛ مبرزاً أن المملكة، منذ تأسيسها، استطاعت بناء استمرارية مؤسسية بارزة مدعومة بهوية تعددية، وشعور قوي بالسيادة، وقدرة مرنة على التكيف مع التحولات العالمية. وأضاف: “إن تاريخ المغرب ليس مجرد سلسلة من الأحداث، بل هو أيضاً قصة ذاكرة جماعية، وإرث حضاري، وإطار قانوني أسهم في تشكيل أمة اشتهرت باستقرارها، وصمودها، وتأثيرها”.
كما شدد على المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق الأكاديميين في السياق الدولي الراهن – الذي تبرز فيه قضايا الذاكرة والسيادة والشرعية – لإنتاج معرفة راسخة تعتمد التحليل النقدي والمنهجية العلمية والحوار الفكري الهادئ، مشيراً إلى أن الجامعة ستظل دائماً الفضاء المتميز الذي يُنير معرفة تحديات الحاضر ويُهيئ لمواجهة تحديات المستقبل.
جلسات علمية ومقاربات عابرة للتخصصات. أعقبتها كلمة للدكتورة بثنية حسني منسق المؤتمرات، قسم الاتصالات، تاريخ الفن، تطوير المشاريع الإقليمية والتراث، بجامعة محمد الأول، وجدة.
شهد اليوم الأول (الخميس 4 يونيو) زخماً فكرياً كبيراً، انطلق بـ الجلسة العامة وافتُتحت بعرض متميز للوزير الأسبق والكاتب المفكر مولاي إدريس العلوي المدغري تمحور حول الجذور التاريخية والخيارات الوطنية والسيادية.
وتوالت المداخلات الدولية رفيعة المستوى، حيث قدم د. زهر الدين طيبي: نائب رئيس جامعة محمد الأول، بوجدة “مفهوم السيادة في القانون الدولي الكلاسيكي والمعاصر”.
واستعرض الدكتور ريكاردو رينيه لاريمونت (جامعة كولومبيا، الولايات المتحدة الأمريكية) العلاقات “المغربية-الأمريكية وصمودها في وجه التحولات العالمية”. تلاها عرض للدكتور ناصر خان جمال خان (جامعة هيرتفوردشاير، بريطانيا) ناقش فيه “التعاون بين المملكة المتحدة والمغرب مع الصحراء المغربية كأداة إستراتيجية في إفريقيا”. وعرض للمهندس المعماري رشيد بوفوس حول “المجالات السيادية والامتدادات العمرانية للدولة المغربية من خلال الرباطات والمدن العتيقة”.
وفي الجلسة الأولى لليوم الأول، تم تسليط الضوء على العمق التاريخي للدبلوماسية المغربية؛ حيث قدم الدكتور خضر عيد مصلح السرحان (رئيس قسم التاريخ بجامعة آل البيت، الأردن) مداخلة قيمة حول “الدبلوماسية المغربية خلال العصر الوسيط (الموحدون والمرينيون نموذجاً)”، تلتها مقاربة تاريخية للباحث البشير سي ناصر حول “الأمة، الدولة، والملكية”،
كما شارك عمر كعواشي في هذا النظام البيئي بصفته رئيسًا لجمعية “عالم المغاربة”، التي تُدافع عن القضايا الوطنية وعن الجالية المغربية في الخارج. وبينما قاد الأكاديميون البرنامج الأكاديمي الرئيسي في ندوة جامعة محمد الأول، قدّم عمر كواشي منظورًا مُكمّلاً يُركّز على المجتمع المدني والجالية في الخارج. دوره والتزامه.
وقد ركزت المحاور الرئيسية في مداخلاته وتصريحاته العامة على هامش هذه الفعاليات عمومًا على دعم الاستثمار، وتعزيز الاقتصاد المغربي، والدفاع عن وحدة الأراضي. وللإشارة، ف”عمر كعواشي”، يُعدّ شخصيةً فاعلةً في تعزيز الدبلوماسية الموازية وإشراك الجالية المغربية في الخارج في المشاريع الوطنية الكبرى.
قراءات قانونية وتنموية في استمرارية الدولة
وتواصلت الندوة في اليوم الثاني، اليوم الجمعة 5 يونيو عبر جلسات متخصصة، حيث ناقشت الجلسة الأولى البُعد الاقتصادي والتنموي للمملكة؛ وتناولت أوراقاً علمية حول “صعود الاستثمارات الخارجية للمملكة” من تقديم الدكتور مراد زناسني، و”إعادة التفكير في الاستقرار السياسي والاستثمار الأجنبي المباشر في المغرب” للباحثين د. عبد الكريم جابري ود. رشيد يحياوي، فضلاً عن قراءة في “الشعور بالفخر الوطني لدى المغاربة” للدكتور هوجا بن أحمد.
أما الجلسة الثانية، فقد خُصصت لتفكيك المقاربات التاريخية والترابية، إذ قدم الدكتور خالد شيات (أستاذ بجامعة محمد الأول بوجدة) عرضاً حول “شروط النهضة المغربية من خلال الجذور التاريخية: المغرب والدورة الثالثة للمجد”، وشارك الدكتور بلال المنعم والأستاذ عادل بوشال بورقة حول “الدينامية الحدودية وتنظيم المجال بالمحور الحدودي الناظور-مليلية”. واختتمت الجلسة بمداخلة للدكتور محمد البداوي حول “التنظيم الترابي بالمغرب بين الاستمرارية المؤسسية والتجديد التشريعي”.
ولم يغب البُعد القانوني الدولي عن النقاش، إذ ركزت الجلسة الثالثة على “الاتفاقيات التجارية المغربية كأشكال للاعتراف القانوني الدولي” للدكتور محمد دراريس، والعلاقات الاقتصادية الفرنسية المغربية للدكتور عادل رشدي، وصولاً إلى العرض الشامل للدكتورة الهدير أمينة حول “الوحدة الترابية عبر السلالات والحكومات المتعاقبة: اثنا عشر قرناً من استمرارية الدولة الشريفة”.
أبعاد الحدث ومخرجاته
تكتسي هذه الندوة الدولية، التي تختتم أعمالها يوم غد السبت 6 يونيو، أهمية إستراتيجية بالغة؛ كونها تنجح في ربط التاريخ بالقانون الدولي والجيوسياسة المعاصرة. وبحسب الورقة التقديمية للندوة، فإن الهدف الأسمى يبقى هو إعادة قراءة التحديات الراهنة للمملكة على ضوء استمراريتها التاريخية والترابية، لا سيما ما يتعلق بقرارات الأمم المتحدة ودعم السيادة المغربية الكاملة على صحرائه، استناداً إلى مبادئ الشرعية الدولية والاعتراف القانوني والتاريخي الممتد لأكثر من 1200 سنة.









































