مجرد رأي: فـجـيــج: نـعـيــمٌ .. أمْ .. جـحـيــمٌ؟

5 مارس 2022
مجرد رأي: فـجـيــج: نـعـيــمٌ .. أمْ .. جـحـيــمٌ؟

وجدة7: ذ/ محمد بوزيان بنعلي

فجيج في مخيلة جلِّ شبابنا العاطل هي الآن جحيمٌ لا يطاقُ.. ليس اعتقادُهم هذا وهماً مجانباً للحقيقة، ولا حظَّ فيه للصواب، فحاضرُها بئيس لا ريْب، ومشهد الحياةِ فيها باهتٌ لا ظلالَ فيه ولا ألوان، ومستقبلُها يكتنفه غموضٌ يثير التشاؤم ويوقد ضرامَ الأحزان. ويضخ مزيداً من الشعور باستحالة إطلالةِ فجرٍ جميل تتخلص فيه واحتُنا من هذه الأدواء التي أقعدتْها بعد قرونٍ من الإشراق والإشعاعِ.


لكننا إذا سلمنا بهذه الرؤية على وجه الشموليّة، واعتبرناها الحقيقةً الواحدة الوحيدة، فإننا نكون قد ظلمنا واحَتنا التي لم يحدث في التاريخ أن انحدرت إلى هذا الدركِ المفعم بالسلبية والضبابيّة.. لماذا أقول هذا؟
أقوله، لأن هناك في الطرف المقابل شباباً يعتبرون فجيج جنة ما بعدها جنّةٌ لا تعلو عليها جنّةٌ في هذه الدنيا، ونعيماً لا يرقى إليه نعيمٌ، هؤلاء الشباب هم الذين أراهم كلَّ يومٍ بعيْد الفجر ينطلقون في دراجاتهم، أوعلى أرجلهم نحو مختلف القصور، يتأبطون كدّهم واجتهادَهم، ويسيرون أمام أرزاقهم، جاعلين همّهم الأوكدَ عبادةَ الله بالعملِ الشريفِ، ومحققين قوله عليه السلام: “لو توكلتم على الله حقَّ توكله لرزقكم كما ترزق الطيرُ، تغدو خماصاً وتروح بطاناً”.


هؤلاء المادحون العاملون يعيشون الواقع وأولئك القادحون العاطلون ينتظرون من يقودهم إلى “مدينةٍ فاضلةٍ” تلبي رغباتهم دون يسيرِ جهدٍ… فهل هم أكثر سُمُوّاً في نزعاتهم من هؤلاء الذين يسابقون الطيور لتحصيل أرزاقهم، فكلهم جسدٌ وروحٌ، وعقلٌ وقلبٌ، وشهوة وعفّة.. لكن الفرق في قوة الهمّة والطموح، وقراءةِ الواقع، والنظر إلى المآلاتِ… ولا أغلو إذا زعمتُ أن منهم من جاء إلى فجيج “أزرقَ” كما يقال للذي لا يتقن شيئاً، ومع الأيام صاروا بنائين مهرة، وفلاحين حذقين، وجباصين فنانين، ومعلّمين في شتى المهن… وما أكلَ أحدٌ طعاماً خيراً من أن يأكل من عملِ يده…
فهل تستطيع فجيج أن تستغنيَ اليومَ عن “أهل أغبالو” مثلاً؟ أبداً.. لقد غدوْا رقماً كبيراً، وقامةً طويلةً، وركيزةً مكينةً.

وصاروا جزءاً منا، ولا نملك إلا أن ندعوَ لهم بمزيدٍ من التوفيق.. وهؤلاء الأئمة الذين يتصدروننا في مساجدنا مَنْ دفعهم إلى السيْر في طريق كتابِ الله الذي يجمع خيرَ الداريْن، هذا الطريق الذي سار فيه أجدادنا أجمعون، ثم انسحبنا منه وتفرقتْ بنا السبُل.. فهل تستطيع فجيج أن تؤخر هؤلاءِ عن المحاريب، شكر الله لهم إذ عمروا مساجدنا، وصدحوا من عتباتِ منابرِنا.
إن الحياة بكل ما فيها من عُقَدٍ هي التي تفرض علينا قواعد اللعبة، هي التي توجهنا، هي التي تحدد علاقاتنا، هي التي تدفعنا إلى السير في أيِّ طريقٍ شريفٍ يضمن لنا لقمةَ عيشٍ لا ذلَّةَ فيها. أتذكر في أواسط السبعينات أننا كنا نختار الوظيفة التي نشتهي بمجرد الحصول على الباكلوريا، ومنا من نالها بالشهادةِ الإعداديّة.. ولكنْ، ذاك زمان انتهى ومضى، ورحم الله ذاك الزمان.. ولنتذكّرْ أننا الآن في القرن الواحدِ والعشرين، وليس بخافٍ على أحدٍ كيف انقلبت فيه الحياة رأساً على عقب، لكن طائفةً واسعةً من شبابنا لا يزالون يبحثون عن غدهم ويتلمسون طريقهم بأساليب الأمسِ البائد، فخاب رجاؤهم، وانكسرت أنفسهم، وزادت معاناتُهم لأن الواقع لا يرحم.
أظن والله أعلم أن شبابنا العاطلَ لم يفهموا رسالتهم، ولم يحددوا غايتهم، ولا يزالون يتوهمون أنهم باستطاعتهم تحقيق رغباتهم بالدوران في فراغ الانتظار، وترقب رفاهيّة لن تأتيَ حتى يشيبَ الغرابُ. وأسوأ ما في الأمر أنهم تعوَّدوا الآن على هذا الدوران، فغفلوا عما حولهم، وشلت حركتهم، وتعطلت أحاسيسُهم، واضطربت نفسياتهم.. بينما غيرهم من الذين أخذوا مكانهم ينتقلون من وعْيٍ إلى وعْيٍ بمتغيرات الحياة وتطوراتها، يُواكِبونها بمحاسنها ومساوئها.. يعيشون يومهم على ما يرزقهم الله، فوفقهم إلى تأسيس أسرة، وبناء بيوتٍ فيها أهل وذرية، إن أخطأتها الرفاهيّةُ لم تخطئْها السكينةُ والرضا بما قسَم الله.. يعيشون محترَمين مطلوبين، مبتهجين يضحكون، تحفُّهم سكينة النفسِ، يسترْوِحون نعمة الرضا، ويشعرون بالسعادة، ويستشرفون الأمل.. في كل يوم عمل، وفي كلِّ نهارٍ مكسبٌ، إن تعسّر عليهم مطلبٌ تجاوزوه، وإن عسرت حاجةٌ يسّروها بتركها.. كثّر الله أمثالهم.
ومن أطرفِ ما سمعت في هذا السياق أن أحدا من شبابِ أغبالو العاملين في إسبانيا تقدّم يخطب شابّة منهم، ووعدها أن يأخذها معه، لكنها رفضت قائلة: أنا سأتزوج من يأخذني إلى فجيج !
هؤلاء هم الذين يعتبرون فجيج جنّة المحرومين في الدنيا، من أتاها انتعش، ومن دخلها أمسى في سربٍ آمنٍ، وأضحى في سعادة وسرور، راضيا بيومه، مطمئنّاً إلى غده .. وكم واحدٍ منهم شقَّ من فجيج طريقَه إلى الرقي والاستقرارِ في بلده، لو عاندوا الزمان كما يعانده أبناؤنا من أجل الوصول إلى الضفة الشماليّة، لما تحركوا من مكانهم خطوةً واحدةً، فبارك الله في كلِّ من يقرأ الحياةَ قراءةً صحيحة، ويعامل الواقع بما هو أهلُه.
ولو سلك شبابُنا هذا المسلكَ النبيل المنتج الباني، لما اعتبروا بلدتهم جحيماً، أو على الأقل لنقصتْ أعدادُ من يعتبرونها جحيما. إنما الجحيم أن نتهمها فنقول: إن بلدتنا لا تعطي إلا للغريب، والحال أنها تعطي للمجدِّ والمكدِّ والمتوكل على الله بعد العزم الصادق المتين.
وأختم فأردد هذه الأبياتَ التي أنشدْتُها في محبتي الصوفية لواحتي الصبور، أنشدتها ذاتَ يومٍ من أيام الغربة في سلطنة عمان:
أنا بَرْبريٌّ من سلالةِ طـــــارقٍونـفـسـيَ لا تـرتــاح إلا لـشــالـــحِ أنا من فجيجٍ منيتي أن أُرى بهاسجيسَ الليالي أو تُشقَّ ضرائحـي
أنا في هواكِ ابنُ الملَوّحِ حائــرٌوفي سنَمِ الجوزاءِ قدرُكِ لامحــي صفوها بما شئتم فإني خديمُهــاوأستعذبُ الأوصابَ درْءاً لنابـــح
فأنك في طيِّ الشغافِ مصونـةٌوسرُّكِ معقودُ بحـبلِ جـوانـحــــي وأنتِ على رأسي وعيني ومذربيوأنتِ شفاءٌ بلسمٌ لمـجــارحــــي
فنِعْـمَ صباحُ الهائمين بحبهــــا
***وسـاءَ صبـاحُ المُجْتَويــن النحانـح

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية
موافق