رسائل خطاب العرش.. كيف حدد الملك معالم مغرب ما بعد انتخابات 2026

منذ 7 دقائق
رسائل خطاب العرش.. كيف حدد الملك معالم مغرب ما بعد انتخابات 2026

لم يكن خطاب العرش الذي وجهه الملك محمد السادس، اليوم الأربعاء، مجرد وقفة لاستحضار ما راكمه المغرب من منجزات، بل بدا أقرب إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة وتحديد أولوياتها السياسية والتنموية. فإذا كانت خطابات سابقة قد طبعتها لغة التقويم والتنبيه إلى الاختلالات أو إطلاق أوراش إصلاحية كبرى، فإن خطاب هذه السنة اختار أن يجعل الثقة في المستقبل وتحصين المكتسبات واستمرارية الإصلاحات في صلب رهانات المرحلة المقبلة، وذلك على بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية المرتقبة وما ستفرزه من حكومة جديدة ستواكب استحقاقات تمتد إلى أفق 2030.

ويبدو هذا التحول جلياً في المفاهيم التي حضرت بقوة في الخطاب الملكي، من قبيل “الثقة” و”التفاؤل” و”الطمأنينة” و”المرحلة الفاصلة” و”تحصين المكتسبات”، مقابل تراجع لغة الانتقاد والتنبيه التي طبعت عدداً من خطابات السنوات الماضية، والتي انصبت على قضايا من قبيل اختلالات الإدارة العمومية، وأزمة الماء، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية والتنمية الترابية.

وفي هذا السياق، قال الملك محمد السادس إن المغرب يعيش اليوم “مرحلة فاصلة في المسار التنموي لبلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط”، وهي عبارة تحمل في طياتها دلالات سياسية وتنموية تتجاوز بعدها الرمزي، لكونها تأتي في ظرفية خاصة تتقاطع فيها رهانات الانتخابات المقبلة مع الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

ولعل من أبرز الرسائل السياسية التي حملها خطاب العرش، حديث الملك بشكل مباشر عن مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، إذ أكد التطلع، بعد هذه الاستحقاقات وانبثاق حكومة جديدة، إلى “إطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكتسبات، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”. وهو ما يشكل، في نظر عدد من المتتبعين، مؤشراً على أن الخطاب لم يكن معنياً بتقييم أداء الحكومة الحالية بقدر ما انصرف إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة ومحدداتها الكبرى.

وتكتسي هذه الإشارة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الخطاب لم يتضمن تكليفات قطاعية جديدة أو توجيهات تفصيلية للحكومة كما حدث في مناسبات سابقة، بل انصب أساساً على تأكيد استمرارية المشاريع الاستراتيجية للدولة وضرورة مواصلة تنزيلها، بما يجعل الانتخابات محطة لتجديد النخب والمؤسسات أكثر منها مناسبة لتغيير الخيارات الكبرى للمملكة.

ومن خلال استحضار مفهوم “تحصين المكتسبات”، يبدو أن المغرب يستعد للانتقال من مرحلة إطلاق الأوراش والإصلاحات الكبرى إلى مرحلة ترسيخها وتسريع وتيرة تنزيلها وتعزيز آثارها الاقتصادية والاجتماعية. فبعد سنوات من إطلاق ورش الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومة الاستثمار، وتعزيز البنيات التحتية الكبرى، فضلاً عن الاستعدادات المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، تبدو الأولوية اليوم متجهة نحو ضمان استدامة هذه المكتسبات وتعزيز نجاعتها.

وإذا كان الخطاب قد تحدث عن الحكومة الجديدة، فإنه لم يتطرق إلى هوية الأغلبية السياسية المقبلة أو ملامحها، الأمر الذي يعكس حرص المؤسسة الملكية على التأكيد مجدداً أن المشاريع الاستراتيجية للدولة تظل ممتدة زمنياً وتتجاوز الإيقاع الانتخابي وتغير الحكومات. فالرهان، وفق ما يفهم من مضامين الخطاب، لا يتعلق بإطلاق مشروع تنموي جديد، بقدر ما يرتبط بكيفية تدبير المرحلة المقبلة وضمان استمرارية الإصلاحات الكبرى التي انخرط فيها المغرب.

وفي مقابل ذلك، حملت الدعوة الملكية إلى تغليب “روح الثقة والتفاؤل على خطابات اليأس والإحباط” حمولة سياسية لا تخلو من الدلالة، خصوصاً وأنها تأتي قبل أسابيع قليلة من انطلاق الحملة الانتخابية. فبعيداً عن أي تدخل في التنافس السياسي، يبدو أن الخطاب رسم بصورة غير مباشرة الإطار العام الذي ينبغي أن يؤطر النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة، والقائم على التنافس حول البرامج والنجاعة والقدرة على مواصلة الإصلاحات، بعيداً عن منطق السوداوية أو التشكيك في المسار التنموي للمملكة.

كما أن حديث الملك عن الحكامة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء يعكس بدوره مواصفات المرحلة المنتظرة من مختلف المؤسسات خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026. فالخطاب لم يتحدث عن تغيير الأولويات بقدر ما تحدث عن تطوير أدوات تنزيلها، وهو ما يجعل مفاهيم النجاعة والفعالية وتحصين المكتسبات في صلب رهانات المرحلة المقبلة.

وعليه، فإن الرسالة الأبرز التي يحملها خطاب العرش لهذه السنة لا تكمن فقط في تأكيد استمرارية المشاريع الكبرى للمملكة، وإنما أيضاً في الإعلان الضمني عن بداية مرحلة سياسية وتنموية جديدة، عنوانها الانتقال من منطق إطلاق الأوراش إلى منطق تحصين المكتسبات وتسريع تنزيل الإصلاحات. إنها مرحلة تبدو فيها الانتخابات المقبلة محطة مؤسساتية مهمة، لكنها تظل جزءاً من مسار استراتيجي أشمل يمتد نحو رهانات 2030 وما بعدها، حيث تتغير الحكومات وتبقى المشاريع الكبرى للدولة مستمرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية
موافق