يتكرر المشهد نفسه مع كل موجة جديدة من الزيادات في أسعار المحروقات، فحين ترتفع أسعار الغازوال والبنزين، تتسع دائرة الغلاء لتشمل النقل والمواد الغذائية والخدمات ومختلف مستلزمات الحياة، قبل أن تخرج الحكومة لتعلن، كالعادة، عن دفعة جديدة من الدعم الاستثنائي لفائدة مهنيي النقل الطرقي، وكأنهم الفئة الوحيدة التي تتأثر بارتفاع أسعار الوقود، بينما يترك ملايين المغاربة لمواجهة تداعيات الغلاء دون أي إجراءات موازية تخفف عنهم العبء.
فقد أعلنت وزارة النقل واللوجستيك إطلاق حصة إضافية من الدعم المباشر لمهنيي النقل الطرقي للأشخاص والبضائع، تغطي الفترة الممتدة من 16 إلى 31 يوليوز 2026، مبررة القرار باستمرار ارتفاع أسعار المواد البترولية في الأسواق الدولية وانعكاساتها على السوق الوطنية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: إذا كانت الحكومة تعترف بأن ارتفاع أسعار المحروقات يفرض دعماً استثنائياً لمهنيي النقل، فلماذا لا تعترف بالأثر نفسه على الأسر المغربية التي تتحمل يومياً فاتورة هذا الغلاء؟
فالمواطن البسيط لا يملك شاحنة ولا حافلة، لكنه يؤدي ثمن الوقود في كل شيء يقتنيه. فكل زيادة في المحروقات تتحول مباشرة إلى ارتفاع في أسعار الخضر والفواكه واللحوم والمواد الأساسية، وترفع كلفة التنقل، وتزيد من أعباء الإنتاج، لتنعكس في النهاية على القدرة الشرائية التي أصبحت تعيش واحدة من أصعب مراحلها منذ سنوات.
المفارقة أن الحكومة تواصل تقديم هذا الدعم القطاعي دون أن تقدم للرأي العام تقييماً شفافاً لمدى انعكاسه على الأسعار. فإذا كان الهدف هو حماية القدرة الشرائية للمواطن، فلماذا تستمر أسعار النقل والسلع في الارتفاع رغم المليارات التي ضُخت لفائدة المهنيين منذ إطلاق هذا البرنامج؟ وأين هي آليات المراقبة التي تضمن أن الدعم يصل فعلاً إلى المواطن عبر استقرار الأسعار، وليس فقط إلى جيوب بعض المستفيدين؟
لقد أصبح هذا الدعم يثير أكثر من علامة استفهام، ليس بسبب مبدئه، وإنما بسبب طبيعته الانتقائية. فالحكومة تسارع إلى مواكبة فئة مهنية كلما ارتفع سعر الوقود، لكنها لا تضع أي آلية مباشرة لتعويض الأسر التي تتحمل الأثر الأكبر لهذه الزيادات، رغم أن الموظف والأجير والمتقاعد والعامل البسيط هم أول من يكتوي بنار الغلاء.
وإذا كانت الحكومة تعتبر أن ارتفاع أسعار المحروقات ظرف استثنائي يستوجب تدخلاً استثنائياً، فإن المنطق نفسه يقتضي التفكير في إجراءات تحمي القدرة الشرائية للمواطنين، سواء عبر تخفيض العبء الضريبي على المحروقات، أو مراجعة هوامش الربح، أو تقديم دعم اجتماعي مباشر للفئات الأكثر هشاشة، بدل الاكتفاء بدعم قطاع واحد.
المغاربة لم يعودوا ينتظرون بلاغاً جديداً عن دعم مهنيي النقل، بقدر ما ينتظرون سياسة متوازنة تجعل المواطن في صلب القرارات الاقتصادية، لا مجرد متلقٍ لفواتير الزيادات المتتالية.
فالدولة الاجتماعية لا تقاس بعدد برامج الدعم الموجهة لفئات بعينها، وإنما بقدرتها على حماية جميع المواطنين من آثار الأزمات الاقتصادية. أما أن يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الغلاء، بينما تتكرر برامج الدعم الانتقائي، فإن ذلك لا يزيد إلا من تعميق الشعور بعدم الإنصاف، ويطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات السياسات الحكومية في مواجهة واحدة من أكثر الأزمات تأثيراً على الحياة اليومية للمغاربة.










































