حرية التعبير والإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي هو موضوع مداخلة الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بلجنة التعليم والثقافة والاتصال

14 مايو 2025
حرية التعبير والإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي هو موضوع مداخلة الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بلجنة التعليم والثقافة والاتصال

حرية التعبير والإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي هو موضوع مداخلة الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بلجنة التعليم والثقافة والاتصال، حيث استهل النائب البرلماني عمر اعنان مداخلته
بتقديم باسم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، تهاني لوزير الثقافة والتواصل، وإلى كافة أطر الوزارة، على النجاح الكبير الذي عرفته الدورة الأخيرة للمعرض الدولي للنشر والكتاب، الدي شكل الحدث الثقافي محطة مضيئة في المشهد الثقافي الوطني، سواء من حيث التنظيم المحكم، أو من حيث الانفتاح النوعي على تجارب أدبية وفكرية متعددة، أو من حيث الإقبال الجماهيري الواسع، وهو ما يؤكد أن المغاربة، على اختلاف فئاتهم، متعطشون للمعرفة، ومستعدون للانخراط في دينامية ثقافية حديثة وشاملة إذا ما أتيحت لهم الوسائل والفرص المناسبة.

كما أكد أعنان في مداخلته، أن اليوم نقاشاً يتجاوز بكثير ما هو تقني أو إجرائي، ليمس عمق المشروع الديمقراطي والحداثي الذي نتطلع إليه في الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية. حيث لا تناقش فقط قضايا متفرقة، بل يقارب الحزب منظومة مترابطة من الإشكاليات التي تهم صلب علاقتنا بالمواطن، في سياق تحولات رقمية وثقافية ومجتمعية متسارعة.
الحرية، المسؤولية، العدالة، الثقة… مفاهيم يحتاج اليوم إلى إعادة بنائها داخل الفضاء العمومي، سواء المادي أو الرقمي. وتم التوقف عند محورين مركزيين: حرية التعبير والإعلام، وسائط التواصل الاجتماعي، باعتبارهما محطاتين لقياس نضج تجربتنا الديمقراطية، واختبار قدرتنا كمؤسسات على الإنصات والإصلاح.

أولاً: حرية التعبير والإعلام – مسؤولية متجددة في قلب البناء الديمقراطي
منذ اعتماد دستور 2011، تعززت مكانة حرية التعبير كحق دستوري لا رجعة فيه، وكشرط أساسي لأي ممارسة سياسية أو مجتمعية جدية. لكن، وبعد مرور زهاء عقد ونصف من الزمن، نجد أنفسنا أمام مفارقات عميقة: من جهة، يشيد المجتمع الدولي بتحسن نسبي في ترتيب المغرب في مؤشرات حرية الإنسان. ومن جهة أخرى، ما زالت الممارسات اليومية تعكس اختلالات بنيوية في تدبير هذا الحق الأساسي.
وفقاً لتقرير “الحرية الإنسانية” لسنة 2024، الصادر عن معهد كاتو الأمريكي، ارتقى المغرب بخمس مراتب ليحتل الرتبة 130 من أصل 165 دولة. هذا المعطى، وإن كان يحمل دلالة إيجابية، إلا أنه لا يجب أن يُغَطّي على مظاهر التراجع التي نعيشها في الواقع. إذ ما تزال المتابعات القضائية ذات الطابع الجنائي ضد الصحافيين والنشطاء الاجتماعيين والحقوقيين تتزايد، وهو ما يناقض جوهر دولة الحق والقانون التي ترتكز على مبدأ التدرج في العقوبات، وعلى تفضيل الآليات التأديبية أو المدنية عوض المقاربة الزجرية.
إلى جانب ذلك، تُعاني الحقل الإعلامي من هشاشة بنيوية مزمنة. إذ تشير إحصائيات النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى أن حوالي 62% من الصحفيين لا يتوفرون على عقود عمل دائمة، ويشتغلون في ظل شروط مهنية واقتصادية هشة، ما يُفقدهم القدرة على الاستقلال والاحتراف، ويُضعف جودة المنتوج الصحفي. كما أن العديد من وسائل الإعلام المستقلة تكافح من أجل البقاء، في غياب آليات تمويل شفافة وعادلة.
وما يزيد الطين بلة، هو استمرار وضعية الإعلام العمومي في حال من الغموض والهيمنة. إذ يتم تعيين مسؤوليه في غياب معايير واضحة للكفاءة والتعددية، ويُستعمل أحياناً كأداة للدعاية السياسية، بدل أن يكون منبراً للنقاش العمومي والتثقيف الديمقراطي.
أمام هذا الواقع، يطالب الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية بما يلي:
أولاً، إعادة فتح ورش مراجعة مدونة الصحافة والنشر، من أجل ملاءمتها مع مقتضيات الدستور، ومع المعايير الدولية التي صادق عليها المغرب.
ثانياً، وضع قانون خاص بالإعلام العمومي، يقطع مع التعيينات الحزبية، ويضمن استقلالية التحرير، والتدبير المالي، ويكرّس التعددية في المحتوى.
ثالثاً، إحداث صندوق دعم خاص للصحافة الجادة والاستقصائية، يحمي الصحفيين من الضغوط الاقتصادية، ويضمن تنوعاً في زوايا المعالجة والقضايا المطروحة.
الوضع في بلادنا فيما يخص المتطلبات الثلاثة المذكورة لا يزال في مراحل مختلفة من النقاش والمطالبة، دون تحقيق تقدم ملموس على الأرض في بعض الجوانب. الوضع العام يُظهر جمودًا نسبيًا في هذه الملفات، رغم استمرار الضغوط من المجتمع المدني والصحفيين. التقدم مرهون بضغوط أكبر وإرادة سياسية حقيقية للإصلاح. بعض النقاشات حول هذه القضايا تطفو بين الحين والآخر في البرلمان أو في الإعلام، لكن دون تحويلها إلى سياسات فعلية.

ثانياً: وسائط التواصل الاجتماعي – بين الحق في التعبير ومخاطر التلاعب
الفضاء الرقمي أصبح اليوم امتداداً للفضاء العمومي، ومجالاً مركزياً للتعبير، والتفاعل، والمشاركة السياسية. وإذا كان هذا التحول يمثل مكسباً هاماً في مسار تعزيز الحريات والانفتاح، فإنه يضعنا أيضاً أمام تحديات غير مسبوقة. فوسائط التواصل الاجتماعي باتت منصة يومية للتعبير الشعبي، لكنها تحولت أيضاً إلى حقل للأخبار الزائفة، والتحريض، والعنف الرمزي. ويزيد من حدة هذه التحديات التطور السريع وغير المراقَب لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي باتت تُستخدم بشكل واسع في إنتاج محتويات مضللة، وفبركة الصور ومقاطع الفيديو، ونشر المعلومات الكاذبة على نطاق واسع، مما يعقّد جهود التحقق، ويُهدد مصداقية الفضاء العمومي، ويطرح أسئلة جوهرية حول المسؤولية والضبط والمساءلة في البيئة الرقمية الجديدة.
تُظهر بيانات تقرير “Digital 2024” أن عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب بلغ 34.47 مليون نسمة، أي ما يعادل 90.7% من السكان، فيما بلغ عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي 21.2 مليون مستخدم نشيط (55.7% من السكان). هذه الأرقام تُظهر مدى تغلغل هذه الوسائط في الحياة اليومية للمواطنين.
لكن مع هذا الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي، تتزايد مظاهر الخطر التي تهدد سلامة الفضاء الرقمي وتماسك المجتمع. فقد أصبح من الملاحظ تفشي خطابات الكراهية، خاصة تلك الموجهة ضد النساء، والنشطاء الحقوقيين، والمعارضين السياسيين، مما يعمّق مناخ العنف الرمزي والإقصاء. كما يعرف الفضاء الرقمي تنامياً مقلقاً لحالات الابتزاز والتشهير، حيث سجلت المديرية العامة للأمن الوطني خلال سنة 2023 أزيد من 5000 قضية مرتبطة بالجرائم الإلكترونية، بنسبة ارتفاع بلغت 17% مقارنة بالسنة التي سبقتها، ما يعكس هشاشة الإطار التنظيمي والوقائي في مواجهة هذه الظواهر.
الملاحظ اليوم هو غياب سياسة عمومية رقمية شمولية، تُوازن بين حماية الحقوق وتعزيز المسؤولية. فالمقاربات الحالية، رغم بعض النوايا الحسنة، لا تزال تعتمد على منطق الزجر الأمني أكثر من منطق التأطير الوقائي والتربوي.
وانطلاقاً من قناعتنا بضرورة الاستفادة من المزايا التي تتيحها وسائط التواصل الاجتماعي، دون تجاهل مخاطرها المتزايدة، نقترح في الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، اتخاذ حزمة من الإجراءات العملية، التي تجمع بين الجانب التربوي، والتشريعي، والمؤسساتي، منها ما يلي:

  1. إدماج التربية الرقمية في المناهج التعليمية منذ السنوات الأولى، عبر وحدات دراسية متدرجة، تعزز الوعي النقدي لدى التلاميذ حول الاستعمال الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتحصنهم من مخاطر التنمر الرقمي، والتضليل، والإدمان.
  2. إعداد ميثاق وطني للأخلاقيات الرقمية، بشراكة مع الفاعلين المؤسساتيين، والمنظمات المهنية، والمجتمع المدني، يحدد مبادئ السلوك الرقمي السليم، ويؤطر العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية في الفضاء الرقمي.
  3. تطوير آليات التتبع والتبليغ وحماية الضحايا، من خلال منصات رسمية سهلة الولوج، تُمكّن المواطنين من الإبلاغ عن المحتويات المسيئة أو التحريضية، وتوفر الدعم النفسي والقانوني للضحايا، خصوصاً القاصرين والنساء.
  4. إحداث مرصد وطني للرصد الرقمي، يُعنى بتحليل اتجاهات الخطاب الرقمي، وتتبع الحملات المضللة، والتفاعل السريع مع الظواهر الخطيرة، ويُصدر تقارير دورية تساعد على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة.
  5. تشجيع الإعلام التربوي والتثقيفي الرقمي، عبر دعم المحتوى الجيد والموثوق، ومنح تحفيزات للشباب المنتجين لمضامين هادفة، تروج لقيم الحوار، والتسامح، والمواطنة الرقمية.
    نعتقد أن هذه الإجراءات، إذا ما تم تبنيها ضمن سياسة رقمية وطنية متكاملة، قادرة على تحويل وسائل التواصل الاجتماعي من تهديدات مُقلقة إلى أدوات بناء وتواصل مواطني هادف.
    إن المغرب لا يحتاج فقط إلى تقنين للفضاء الرقمي، بل إلى رؤية رقمية ديمقراطية، تُعلي من قيم الحوار والمشاركة والمساءلة، وتحمي المواطنين من الأذى الرقمي دون المساس بحرية التعبير.
  6. وما يجمع بين هذه المحاور هو الحاجة إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن، عبر مقاربة حقوقية رقمية، تُوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الرقمية، وتكرّس الثقة بدل الخوف، والتمكين بدل الوصاية.
  7. الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، يؤمنون أن اللحظة الرقمية التي يعيشها الفرد ليست مجرد تحول تكنولوجي، بل فرصة تاريخية لتحديث بنياتنا الديمقراطية، وتجديد مؤسسات الوساطة، وإدماج فئات كانت لعقود خارج دائرة التأثير.
  8. يدعو الفريق المعارض إلى بناء عقد اجتماعي جديد، رقمي، ديمقراطي، تشاركي، يضع المواطن في مركز السياسات العمومية.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية
موافق