انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى ترسيخ العدالة المجالية وتسريع وتيرة التنمية، فإن واقع التنمية وتدبير الشأن المحلي بعمالة وجدة–أنجاد يكشف، اليوم، عن فجوة مقلقة بين الخطاب والممارسة، ويجسد استمرار منطق “المغرب بسرعتين” حيث تحظى بعض المجالات بالنجاعة والاستثمار، بينما تُترك أخرى رهينة التهميش والارتجال وضعف الحكامة. وانطلاقًا من مسؤوليتها السياسية والترافعية، ترى الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن هذا الوضع لم يعد مقبولاً، ويستدعي تشخيصًا صارمًا وجريئًا للواقع، والوقوف بوضوح عند جملة من الاختلالات البنيوية والمجالية التالية:
تعثر التنمية الحضرية واختلالات التخطيط والبرمجة
إن مدينة وجدة تعيش وضعاً تنموياً مقلقاً يفرض وقفة تأمل جماعية ومسؤولة، إذ تكشف المؤشرات الموضوعية عن تأخر ملحوظ مقارنة بعدد من الحواضر الوطنية التي تعرف دينامية اقتصادية واجتماعية متسارعة. ويتجلى ذلك بشكل خاص في تعثر تنزيل مخطط برنامج التنمية للمدينة، والتأخر غير المبرر في إخراج التصميم المجالي المقبل، مما يحدّ من قدرة وجدة على جذب الاستثمار، ويُربك توجيه توسعها العمراني، ويكرّس حالة الانتظار وعدم اليقين.
وعلى مستوى التخطيط الحضري، تسجل الكتابة الإقليمية غياب إشراك المستشارين الجماعيين في إعداد مشروع تصميم التهيئة المقبل، الذي يتم الاشتغال عليه في غياب الشفافية والنقاش المؤسساتي
ارتباك تدبير الأوراش الكبرى وغياب الحكامة الديمقراطية:
تسجل الكتابة الإقليمية ارتباكاً واضحاً في تدبير عدد من الأوراش المفتوحة، التي تم إطلاقها أو تنفيذها خارج مقررات المجلس الجماعي، أو دون إشراك فعلي لمكوناته، في مساس صريح بمبدأ التدبير الديمقراطي.
وفي ما يتعلق بالأوراش الكبرى، تؤكد الكتابة الإقليمية أن شركة التنمية المحلية، التي أُحدثت لتسريع الإنجاز وتحسين الجودة، أبانت عن اختلالات في الحكامة والشفافية، مع حرمان المستشارين من آليات التتبع والمراقبة، في حين ما تزال مشاريع مهيكلة، كأسواق السمك والمحطة الطرقية وسوق الجملة للخضر، حبيسة الوعود دون تنزيل فعلي.
فإعادة تهيئة ساحة عبد الوهاب لم تحترم المشروع الأصلي الذي كان ينص على إحداث مرآب للسيارات وسوق للسمك تحت أرضي، في غياب رؤية اقتصادية واضحة تراعي حساسية الموقع، وقربه من المسجد، وحاجيات المدينة في التنظيم المروري والتنشيط الاقتصادي.
ويندرج في هذا السياق أيضاً تعثر عدد من المشاريع المهيكلة التي تم الإعلان عنها دون أن ترى النور، من قبيل أسواق السمك، والمحطة الطرقية، وسوق الجملة للخضر، التي لا تزال إلى اليوم مجرد أخبار على الورق، في ظل غياب آجال واضحة، وبرمجة دقيقة، ومساءلة حقيقية حول أسباب هذا التعثر المزمن.
وينطبق الأمر نفسه على أشغال شارع مراكش التي أُنجزت خارج برمجة المجلس، وتسببت في اختناق مروري، كما كشفت عن اختلالات تقنية واضحة مع أولى التساقطات المطرية، مما يطرح تساؤلات جدية حول جودة الأشغال والمراقبة.
كما تم تحويل مشروع المرآب تحت أرضي بساحة جدة إلى مجرد فضاء سطحي، في تراجع غير مبرر عن حل كان من شأنه التخفيف من أزمة الوقوف وتنظيم حركة السير.
تدهور البنية التحتية وإخلال بمبدأ العدالة المجالية:
تتفاقم معاناة ساكنة عدد من الأحياء والتجزئات السكنية بسبب تدهور البنية التحتية وغياب الصيانة الدورية، حيث تنتشر الحفر، والغبار، وضياع المياه، وركودها، وغياب البالوعات، في مقابل إعطاء الأولوية لأشغال تزيينية بمحاور مركزية، بدل معالجة الخصاص المتراكم منذ عقود في الأحياء الهامشية، في إخلال واضح بمبدأ العدالة المجالية.
أزمة النقل والتنقل وضعف الخدمات العمومية:
لا يقل وضع النقل الحضري إشكالية، سواء من حيث ضعف الأسطول الذي لا يتجاوز ثلاثين حافلة، أو تهالك جزء كبير منه، أو ضعف التغطية المجالية وانتظام الخدمة، مما يزيد من معاناة المرتفقين ويُفرغ الحق في التنقل من مضمونه. وفي هذا المجال، تذكّر الكتابة الإقليمية أن فريق المستشارين الاتحاديين كان أول من دق ناقوس الخطر، وطالب مراراً بإدراج الملف في دورات المجلس وبمحاسبة المتسببين في الوضع الكارثي الذي يعيشه القطاع، دون أن تلقى هذه الدعوات أي تفاعل جدي.
كما تسجل الكتابة الإقليمية غياب خدمة نقل حضري عمومية ومنتظمة تربط مطار وجدة أنجاد بالمحطة الطرقية ومحطة القطار، مروراً بالقطب التكنولوجي ومؤسسات قطب المعرفة، وهو ما يسيء إلى صورة المدينة ويُفاقم المعاناة اليومية للتلميذات والتلاميذ والطلبة الذين يدرسون بهذه المؤسسات، حيث يُضطرون إلى تنقلات شاقة ومكلفة وغير آمنة، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي حول تشجيع التعليم والاقتصاد المبني على المعرفة.
اختلالات اجتماعية وبيئية وثقافية مقلقة:
تعبر الكتابة الإقليمية عن قلقها العميق إزاء الاختلالات التي تمس المجالات الاجتماعية الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، سواء من حيث ضعف العرض، أو تراجع جودة الخدمات، أو محدودية الولوج العادل إليها، وهو ما ينعكس سلبًا على شروط العيش الكريم لساكنة المدينة. ويزداد هذا الوضع حدة مع تفاقم معضلة البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وارتفاع غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية للأسر، في ظل محدودية فرص الشغل وغياب سياسات محلية ناجعة للإدماج الاقتصادي، بما يقوض آفاق الأمل لدى فئات واسعة من أبناء المنطقة.
على المستوى البيئي، فتسجل الكتابة الإقليمية تراجع الاهتمام بالمساحات الخضراء، وغياب رؤية واضحة للحفاظ على الحزام الأخضر للمدينة وتأهيل غابة سيدي معافة، رغم كونهما رئتين بيئيتين أساسيتين لتحسين جودة العيش وتحقيق التوازن الحضري.
كما تُسجَّل خصاصات واضحة في التجهيزات الرياضية والترفيهية، إذ رغم توفر فضاءات واعتمادات مبرمجة، لا تزال عدة أحياء، محرومة من ملاعب القرب وفضاءات للأطفال.
كما لا يمكن إغفال ما يعرفه الحقل الثقافي من تراجع، وضعف الاستثمار في دور الشباب والمرافق الثقافية، رغم دورها المحوري في التأطير، ومحاربة الهشاشة والانحراف، وتشجيع الإبداع وبناء المواطنة الفاعلة.
وفي الفضاء الحضري، تتفاقم ظواهر مقلقة، من بينها انتشار الكلاب الضالة وتنامي ظاهرة التسول، في غياب مقاربة اجتماعية وإنسانية مندمجة تعالج الأسباب العميقة لهذه الظواهر، وتحفظ كرامة الأشخاص، وتضمن أمن وسلامة المواطنين، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية محدودة الأثر.
ملفات عمرها طويل واختلالات في الشفافية:
يظل السوق المغطى نموذجاً لملف عمر طويلاً دون حل، بفعل تعقيدات عقارية وإدارية عطلت تأهيله واستثماره، في حين ترى الكتابة الإقليمية أن رفع الحجوزات والشروع في تحفيظ العقارات، رغم كلفته، يشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة هيكلة الفضاء وإدماجه في الدورة الاقتصادية.
كما تثير وضعية حامات بنقاشور تساؤلات جدية، في ظل غياب تقارير لجنة التتبع خلال الدورات المتعاقبة، وتداول معطيات حول تعدد طرق الأداء، بعضها دون وصل، مما يفرض التدقيق والمراقبة ضماناً للشفافية وحسن التدبير.
اختلالات مجالية وهيكلية خارج المدار الحضري:
تعاني ساكنة بعض الأحياء المتاخمة لمدينة وجدة، التابعة إداريًا لجماعات قروية مثل تجزئة المنزه1 وحي أكدال بجماعة أهل أنكاد، من اختلالات ناتجة عن هذا الوضع غير المنسجم مع واقعها الحضري، تتمثل في صعوبة الولوج إلى الخدمات الإدارية وخصاص في البنيات والتجهيزات الأساسية والنقل العمومي، الأمر الذي يفرض دمج هذه الأحياء داخل المدار الحضري لمدينة وجدة.
كما تعاني بعض الدواوير بالجماعات القروية، مثل جماعة سيدي موسى لمهاية، من الإقصاء في التزويد بالماء الصالح للشرب بسبب اختلالات في تنزيل المشاريع، رغم وجود شراكات رسمية، مما يكرّس الهشاشة ويستدعي تدخّلًا عاجلًا لضمان الحق في الماء.
نحو تغيير حقيقي في تدبير الشأن المحلي:
ومن موقعها كقوة اقتراحية مسؤولة، تؤكد الكتابة الإقليمية أن تجاوز الاختلالات القائمة يقتضي نهجًا جديدًا في تدبير الشأن المحلي، قائمًا على احترام المقررات القانونية، وترتيب الأولويات، وتعزيز الشفافية، وتقوية الحكامة، وتوجيه الاستثمار نحو خلق فرص الشغل وتحقيق العدالة المجالية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية، والارتقاء بجمالية المدينة، وترسيخ الأمن الحضري، وتنشيط الحقل الثقافي، بما يعيد لمدينة وجدة مكانتها داخل جهة الشرق كفضاء للكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص. وفي هذا السياق، تُعبّر عن استعدادها الكامل للانخراط الإيجابي والمسؤول في كل مبادرة جادة أو حوار مؤسساتي صادق يروم تصحيح الأعطاب البنيوية وتسريع وتيرة التنمية، كما تدعو كافة الفاعلين، من سلطات عمومية ومنتخبين ومجتمع مدني وقوى حية، إلى تغليب المصلحة العامة والعمل المشترك من أجل مدينة متوازنة، دامجة، وقادرة على الاستجابة لتطلعات ساكنتها في التنمية والخدمات والعيش الكريم.
وختاماً، وإذ تُجدّد الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعمالة وجدة–أنجاد تهنئتها الخالصة لأمحمد العطفاوي بمناسبة التعيين الملكي السامي الذي حظي به والياً على جهة الشرق وعاملاً على عمالة وجدة–أنجاد، فإنها تُعبّر عن أملها في أن يشكل هذا التعيين محطة نوعية لإطلاق نفس جديد في تدبير الشأن الترابي، قوامه الصرامة في احترام القانون، والقطع مع منطق الارتجال، وإرساء حكامة حقيقية تستحضر انتظارات الساكنة وخصوصيات المجال.
عن الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعمالة وجدة-أنجاد
الكاتب الإقليمي: عمر اعنان










































