مساجد الجالية في الغرب: بين المحافظة على الشعائر والتحديات التربويّة:

منذ ساعة واحدة
مساجد الجالية في الغرب: بين المحافظة على الشعائر والتحديات التربويّة:

محمد بوزيان بنعلي
حين دخلتُ بعض مساجد باريس أو بروكسيل أو غيرهما من المدن الأوروبية، لفت انتباهي ما تشهده من إقبال ملحوظ من المصلين، ولا سيما في صلاتي المغرب والعشاء، كما لاحظتُ وجود مرافق ملحقة بها خُصّصت للوضوء، وتعليم القرآن الكريم، وفي بعض الأيام تجد فقيهاً يجلس على كرسي العلم بين العشاءيْن، ليلقي درساً في شؤون الدين ويرشد المصلين. وقد أتيحت لي فرصة حضور درسين من هذا القبيل، تناول أحدهما مسائل في الفقه، والآخر قضايا في العقيدة. غير أنني، على الرغم من تقديري لهذه المبادرات المحمودة، لم ألمس لدى جمهور المصلين ذلك التعطش إلى المعرفة والتعمق في أمور الدين الذي كنت أتطلع إلى رؤيته؛ إذ كان جلّهم ينصرف عقب الصلاة، دون أن يبقى للاستفادة من الدروس، في مشهد يذكّر، مع الأسف، بما نألفه في مساجدنا بالمغرب من ضعف الإقبال على مجالس العلم.
وفي الأسواق والشوارع، استرعى انتباهي مشهد بعض النساء المسلمات وهن يرتدين أزياء محتشمة، ويصطحبن أطفالهن، يتحدثن إليهم باللغة العربية، في حين يكون جوابهم غالباً باللغة الفرنسية، وهو مظهر يثير القلق بشأن مستقبل الصلة باللغة الأم، وما تحمله من رصيد ثقافي وديني وحضاري.
ولعل هذه المشاهد وغيرها تدعونا إلى ملاحظة أن كثيراً من المسلمين في المهجر يُظهرون، على مستوى الممارسة الفردية، تعلقاً ظاهراً بشعائر دينهم، وحرصاً على المحافظة على مؤسساتهم الدينية، وربما فاقوا في بعض مظاهر ذلك ما نراه لدى قطاعات من المسلمين في بلداننا الإسلامية. وليس من الإنصاف أن نحمّلهم وحدهم تبعات ما يتعرض له أبناؤهم من مؤثرات ثقافية وتربوية داخل المدارس والفضاءات العامة، أو ما يواجهه الإسلام والمسلمون من صور التضييق والتمييز؛ فهم، في حدود إمكاناتهم، يبذلون جهوداً معتبرة في عمارة المساجد وصيانتها وتوسيعها، ويساهمون في تمويل مشروعاتها كلما سنحت لهم الفرصة.
وقد استوقفتني، في هذا السياق، تصريحات خطيب الجمعة في أحد مساجد بروكسيل، حين أعلن أن جماعة المصلين تمكنت من جمع مليون وأربعمائة ألفِ يورو (1.400.000)، تم بها شراء منزل مجاور للمسجد، وأن الأمر يتطلب جولة أخرى من التبرعات للشروع في إنجاز مشروع توسيعه وترميمه. وفي الجمعة الموالية أعلن عن جمع مبلغ آخر معتبر، على أن تتواصل المساهمات لاستكمال ما بقي من الأعمال. وهي مبادرات تكشف عن روح التضامن والتعلق بالمسجد، وعن استعداد الجماعة لبذل المال في سبيل المحافظة على مؤسساتها الدينية وتطويرها.
غير أن القضية، في تقديري، لا تقف عند حدود بناء المساجد وتوسيعها، ولا عند المحافظة على أداء الصلوات وإقامة الشعائر التي هي واجباتٌ يمكن أن تؤدّى في أيِّ مكان، وقد جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً، وإنما تتجاوز ذلك إلى مسألة أشد حساسية وأعمق أثراً، هي مسألة تنشئة الأبناء وتكوين شخصياتهم في ظل منظومة تربوية وثقافية تختلف في كثير من مرجعياتها وقيمها عن المرجعية الإسلامية، التي ينبغي أن تشكل هويتهم الحقيقية الدائمة، وتؤثِّث شخصيتهم المتميزة: فالطفل المسلم في المهجر لا يتلقى تكوينه الأساسي داخل المسجد، وإنما يقضي قسطاً كبيراً من يومه في المدرسة، ويتفاعل مع محيط اجتماعي وإعلامي وثقافي تتعدد فيه القيم والتصورات والسلوكات، التي يتعارضُ جزءٌ معتبرٌ منها مع ما تحرص الأسرة المسلمة على غرسه في نفوس أبنائها. ويزداد الأمر تعقيداً حين تُقدَّم بعض الممارسات والتصورات المنافية للقيم الدينية والأخلاقية تحت شعارات الحرية الفردية والديمقراطية والعلمانيّة والحداثة، بما يجعل الطفل عرضة لتأثيرات متواصلة قد لا تستطيع الأسرة وحدها ضبطها أو تحصينه منها.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: فقد ينجح الآباء في توفير مسجد واسع، وتأمين مكان لأداء الصلاة، وإلحاق أبنائهم بحلقات تحفيظ القرآن، لكنهم لا يملكون بالضرورة الوسائل الكافية للتأثير في مجموع ما يتلقاه هؤلاء الأبناء من معارف وقيم وتصورات خارج تلك المؤسسات. ومن ثم، فإن عمارة المساجد، على ضرورتها، ينبغي أن تقترن بعمارة العقول والقلوب، وأن تتجاوز جهود الجالية مجرد المحافظة على المظاهر التعبدية إلى بناء مشروع تربوي متكامل، يعتني بتكوين الأبناء دينياً وفكرياً وأخلاقياً، ويمنحهم القدرة على فهم هويتهم الإسلامية والاعتزاز بها، والتعامل الواعي مع محيطهم دون ذوبان فيه أو انغلاق عنه.
إن أخطر ما يواجه الأجيال المسلمة في المهجر ليس بالضرورة عجزها عن ارتياد المساجد، وإنما احتمال انقطاع الصلة التدريجية بينها وبين المرجعية التي تمنح وجودها معناه وهويتها ثباتاً ورسوخاً. فالصلاة والالتزام الفردي، على عظيم شأنهما، لا يكفيان وحدهما لمواجهة تحديات التنشئة، ما لم تسندهما تربية أسرية واعية، ومؤسسات تعليمية إسلامية فاعلة، وبرامج ثقافية وتربوية تستجيب لخصوصية الأجيال الناشئة. ذلك أن المحافظة على المسجد تضمن بقاء فضاء للعبادة، أما المحافظة على الأبناء فتضمن استمرار الرسالة التي من أجلها عُمِّر المسجد أصلاً.
ولعل من الحلول العملية التي يمكن أن تسهم في التخفيف من حدة هذه المشكلة، إن لم تتمكن من معالجتها من جذورها، إنشاء مدارس موازية داخل المساجد أو في مرافق ملحقة بها، تُعنى بتربية أبناء الجالية المسلمة وتعليمهم خارج أوقات الدراسة النظامية. ولا ينبغي أن تكون هذه المدارس مجرد كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم وتلقين مبادئ العبادات، على أهمية ذلك، بل يتعين أن تضطلع برسالة تربوية أوسع، تشمل ترسيخ العقيدة، وتعليم السيرة النبوية، وتعميق الوعي باللغة العربية، وغرس القيم الأخلاقية والإنسانية، وتعريف الناشئة بتاريخهم وحضارتهم، وتبصيرهم بحدود التعايش والاندماج في مجتمعهم أو وطنهم الثاني، وذلك من خلال تنمية قدرتهم على فهم العالم الذي يعيشون فيه، وعلى الحوار والتفاعل الإيجابي مع مكوناته البشريّة مهما اختلفوا معهم، دون أن تفقد هويتها أو تتنازل عن ثوابتها.
هكذا يمكن لهذه المؤسسات الدينيّة أن تؤدِّيَ وظيفة اجتماعية وتربوية أوسع، فتتحول إلى مراكز إشعاع معرفي وثقافي، تستقبل الأبناء وترافقهم في مختلف مراحل نموهم، وتستعين في ذلك بالمربين وعلماء الاجتماع والنفس والتربية، ممن يمتلكون القدرة على فهم خصوصية الحياة في المجتمعات الغربية.
وإلى جانب ذلك، فإن الحاجة تدعو إلى إيجاد برامج منتظمة لتأهيل الآباء والأمهات، ومساعدتهم على التعامل مع التحديات التربوية والثقافية التي تواجه أبناءهم، فضلاً عن تنظيم لقاءات حوارية تجمع بين الآباء والأبناء، وتتيح مناقشة القضايا التي تشغل الناشئة بلغة يفهمونها وبأسلوب يقنعهم، بعيداً عن الاكتفاء بالمنع والتوجيه المباشر. كما يمكن الاستفادة من الكفاءات العلمية والتربوية الموجودة داخل الجالية، وتشجيعها على إعداد مناهج ومواد تعليمية تستجيب لخصوصية هذا الجيل، وتستثمر الوسائل الرقمية والإعلامية التي أصبحت جزءاً أساسياً من حياته اليومية.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاهتمام باللغة العربية، لا بوصفها لغة للتخاطب فحسب، بل باعتبارها وعاءً للقرآن الكريم والتراث الإسلامي، وأحد أهم جسور التواصل بين الأبناء وأسرهم وعمقهم الحضاري. كما ينبغي تشجيع الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية التي توفر للناشئة فضاءات إيجابية للتعارف والتفاعل، وتربطهم بمؤسسات الجالية ورموزها العلمية والدينية.
إن الرهان الحقيقي للجاليات المسلمة في أوروبا لا ينبغي أن ينحصر في تشييد المساجد وتوسيعها، مهما بلغت كلفتها، وإنما ينبغي أن يمتد إلى بناء الأجيال القادمة التي ستعمر تلك المساجد وتحمل رسالتها من بعد. فالمسجد الذي لا يجد امتداده في الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي قد يظل قائماً في بنائه وهيكله، لكنّ صلته بالأجيال التي يُفترض أن تتوارث رسالته سوفَ تضعف تدريجياٌ. وقد يأتي وقت تتلاشى فيه هذه الصلة ويؤول البناء إلى فراغٍ، وتلك النتيجة المرعبة هي أخوف ما يخاف منه المومن.
ومن هنا، فإن الاستثمار في تربية الأبناء وتكوينهم هو، في تقديري، أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الجالية المسلمة في المهجر، وأبقى أثراً من كل ما تنفقه في تشييد المباني وتوسيع المرافق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية
موافق