يحيى بالي
تستأثر الزيارة الرسمية التي يقوم بها العاهل الإسباني، الملك فيليبي السادس، مرفوقاً بالملكة ليتيثيا، إلى مدينة سبتة المحتلة باهتمام سياسي وإعلامي بالغ على ضفتي مضيق جبل طارق. وتكتسي هذه الخطوة رمزية خاصة بالنظر إلى توقيتها وسياقها الإقليمي والدولي الحساس، مما يجعلها محط قراءة تحليلية عميقة تربط بين الأبعاد الميدانية للزيارة وبين العقيدة الدبلوماسية والاستراتيجية التي رسم معالمها الكبرى العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطابه السامي الأخير أمام البرلمان.
أولاً: دلالات زيارة ملك إسبانيا لسبتة المحتلة وتوقيتها
كسر قطيعة رمزية وتأكيد السيادة الميدانية: تُعد هذه الزيارة الأولى من نوعها للملك فيليبي السادس إلى الثغر المحتل منذ اعتلائه العرش، والأولى من نوعها للمؤسسة الملكية الإسبانية منذ زيارة والده الملك السابق خوان كارلوس سنة 2007 والتي خلقت آنذاك أزمة دبلوماسية. وتحاول مدريد من خلال هذه الخطوة بعث رسائل للداخل ترمي إلى ترميم الشعور بالأمن والسيادة المحلية في المدينتين المحتلتين.
ظرفية ما بعد أزمة الهجرة: تأتي الزيارة في أعقاب التوترات وأزمات التدفق الهستيري للمهاجرين نحو سبتة، وما رافق ذلك من استغلال سياسي وإعلامي من طرف بعض الأوساط والتيارات اليمينية المتطرفة في إسبانيا للضغط على الحكومة المركزية.
ثانياً: التفاعلات الشعبية والرسمية وانعكاساتها
ردود فعل الشارع والنخب: أثارت الزيارة نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الإعلامية والمدنية المغربية؛ حيث تراوحت المواقف بين من يعتبرها محاولة استعراضية عقيمة لا تغيّر من حقائق التاريخ والجغرافيا شيئاً، وبين من يرى فيها استفزازاً يتطلب مواقف حازمة.
حكمة الصمت الدبلوماسي: في المقابل، يقرأ المحللون النهج الرسمي المغربي القائم على التعاطي الهادئ وعدم الانجرار وراء الاستفزازات المجانية، باعتباره تعبيراً عن ثقة الدولة في ثوابتها، وتفويتاً للفرصة على الأجندات الحزبية والانتخابية الضيقة لبعض الأطراف الإسبانية التي تستثمر في الأزمات المفتعلة.
ثالثاً: التقاطع مع مضامين الخطاب الملكي الأخير أمام البرلمان
جاء الخطاب السامي الذي وجهه الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح السنة التشريعية ليضع النقاط على الحروف، ويشكل الإطار الناظم والموجه لأي قراءة في طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية ومحددات السيادة الوطنية:
مبدأ الشراكة بلا ابتزاز: شدد العاهل المغربي بوضوح على أن الشراكة الاستراتيجية مع إسبانيا هي خيار إرادي وتعهد متكافئ، ولن تكون أبداً موضوعاً لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز من قبل بعض الدوائر السياسية والإعلامية.
تجاوز نماذج التعاون القديمة في ملف الهجرة: أقر الخطاب الملكي بكل شجاعة وموضوعية بأن النموذج الحالي للتعاون في تدبير ظاهرة الهجرة أصبح متجاوزاً، لا سيما في ظل وجود مقتضيات قانونية وقرارات قضائية إسبانية بعيدة عن الواقع تعيق ترحيل القاصرين والمنتحلين لصفة اللجوء وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية.
رؤية استراتيجية عملية: أعلن الملك عن تقديم المغرب وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية تؤسس لتوجه جديد يكرس التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي، مقرناً ذلك بثوابت سيادية لا تقبل المساومة.
تؤكد هذه المحطة أن محاولات إعادة تدوير رموز السيادة الاستعمارية عبر زيارات ميدانية لمدن مغربية محتلة لا يمكنها أن تحجب حقيقة الثوابت الوطنية الراسخة. فالرباط تدير علاقاتها مع مدريد بمنطق الند للند والشراكة المسؤولة، مستندة إلى إرادة ملكية صلبة تجعل من صون السيادة والوحدة الترابية المعيار الحقيقي لتقييم نجاعة الصداقات، بعيداً عن الانفعالات الظرفية، وفي إطار رؤية استراتيجية استباقية تحصن المصالح العليا للمملكة.









































